جلال الدين الرومي

16

المثنوي المعنوي ( معرب الكفافي )

قلت له « كفاك » . فليس يجد رجل من السجناء لقمه . وإذا استطاع بمائة حيلة ان يجد شيئا يأكله ، غشيه في الحال هذا الجهنمي الحلق . وكل حجته ان الله أمر البشر بقوله : « كلوا » . فلتخلصنا من ذلك القحط الذي دام ثلاث سنين . وليدم الله ظل مولانا إلى الأبد . فاما أخرجت من السجن هذا الجاموس الأكول أو ، خصصت له مؤونة من أحد الأوقاف » فنرى هنا مقدرة الشاعر على تصوير الأشخاص الذين يدير حولهم قصصه . ومهما يوجه من النقد إلى أسلوب جلال الدين في رواية القصص فإننا نجد أن هذه القصص التي يشتمل عليها المثنوى - لو جردت مما أحاط بها وتخلل حوادثها من استطرادات - يمكن ان تصبح اعمالا فنية متماسكة . وقد تجلى هذا بشئ من الوضوح في ترجمة الأستاذ آربرى لهذه القصص ، وهي التي سبقت الإشارة إليها في بداية هذا البحث . ولم تقف عبقرية جلال الدين في الحوار عند حد القصة بل إنه - في كثير من المواقف التي يشرح فيها آراءه الصوفية - قد اتخذ الحوار أسلوبا لعرض هذه الآراء ، فازداد العرض بذلك قوة وتأثيرا . وما أكثر المواقف التي أدار فيها الحوار بين الأفراد أو بين الأفكار . وما أكثر ما اتسم به هذا الحوار من براعة في الأداء ، وروعة في الصتوير وروح فكهة قلما تخون الشاعر في موقف يدعو إلى السخرية . ان قصص الشاعر ومحاوراته كانت في روعة بيانها وجمال صورها فيضا من عبقرية هذا الشاعر الخالد ، أضفت على المثنوى جمالا ، وأشاعت فيه لونا من المتعة المبهجة ، إلى جانب ما حفل به من مواقف التأمل الجاد ، والحكمة الروحية ، والفنكر العميق .